
يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في تحقيق الاستدامة من خلال تمكين إدارة أكثر ذكاءً للموارد، وتقليل الهدر، وتعزيز مراقبة البيئة. وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، يُعد توظيف الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا لمواجهة تحديات الاستدامة، وضمان الاستخدام الكفؤ للطاقة والمياه، وتعزيز المرونة البيئية على المدى الطويل. ومن خلال دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، يمكن للمملكة دعم تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 طويلة الأجل، بما يضمن الاستدامة والنمو الاقتصادي معًا.
الذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة الموارد
يُعد تحسين استخدام الموارد أحد أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي تأثيرًا في مجال الاستدامة. فقد بدأ قطاع الطاقة — وهو ركيزة أساسية في اقتصاد المملكة — في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الكفاءة وخفض البصمة الكربونية. وتُسهم الشبكات الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين توزيع الكهرباء، وموازنة العرض والطلب، وتقليل فاقد النقل (1)، مما يؤدي إلى خفض ملموس في هدر الطاقة، ويتماشى مع توجه المملكة نحو الطاقة المتجددة.
وتُعد المملكة من أعلى الدول عالميًا في معدلات استهلاك المياه، بمتوسط يبلغ 278 لترًا للفرد سنويًا (2). ومع ارتفاع الاستهلاك اليومي للفرد، تواجه المملكة حاجة ملحّة لإدارة هذا المورد الشحيح بكفاءة. وقد بدأت أنظمة كشف التسربات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بالتطبيق لرصد فاقد المياه في شبكات الأنابيب لحظيًا. كما تعتمد محطات التحلية على الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة التشغيلية، وتقليل استهلاك الطاقة لكل متر مكعب من المياه المُعالجة.
تقليل النفايات باستخدام الذكاء الاصطناعي
تُنتج المملكة العربية السعودية نحو 15 مليون طن من النفايات البلدية الصلبة سنويًا، بمتوسط 1.4 كجم للفرد يوميًا (3). وتُسهم حلول إدارة النفايات المدعومة بالذكاء الاصطناعي — مثل أنظمة الفرز الذكي المعتمدة على الرؤية الحاسوبية — في رفع كفاءة إعادة التدوير. إذ تقوم هذه الأنظمة بالتعرّف الآلي على المواد القابلة لإعادة التدوير وفصلها، مما يقلل الاعتماد على المدافن ويدعم هدف المملكة الطموح بتحويل 82% من النفايات بعيدًا عن المدافن بحلول عام 2035 (4).
وفي البيئات الصناعية، يدفع الذكاء الاصطناعي نحو نماذج الاقتصاد الدائري. ووفقًا لتقرير صادر عن ماكينزي، تحقق قطاعات التصنيع وسلاسل الإمداد أعلى وفورات في التكاليف عند تطبيق الذكاء الاصطناعي، حيث تمكن أكثر من 13% من الشركات من خفض التكاليف بنسبة 20% أو أكثر (5). كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز التكامل الصناعي، بحيث تتحول مخلفات شركة ما إلى مدخلات قيّمة لشركة أخرى، مما يدعم بناء منظومة صناعية أكثر استدامة.
الذكاء الاصطناعي في المراقبة البيئية
أصبح الذكاء الاصطناعي أداة قوية في المراقبة البيئية، إذ يساعد المملكة على تتبع ومعالجة تحديات مثل التصحر، وتلوث الهواء، وفقدان التنوع الحيوي. ويتم توظيف تقنيات التصوير عبر الأقمار الصناعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب أجهزة الاستشعار المرتبطة بإنترنت الأشياء، لمراقبة تمدد المناطق الصحراوية، ما يمكّن صُنّاع القرار من تطوير استراتيجيات أكثر فاعلية للتشجير واستعادة الأراضي.
كما تُحدث الطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في جهود حماية التنوع الحيوي، من خلال إجراء مسوحات آلية للموائل الطبيعية، وتتبع الأنواع المهددة بالانقراض، وتقييم صحة النظم البيئية في الوقت الحقيقي. وتوفر هذه البيانات رؤى دقيقة تدعم التخطيط الأفضل لجهود الحماية والاستعادة البيئية (6).
تسريع تبنّي الذكاء الاصطناعي من أجل الاستدامة
يمثل الذكاء الاصطناعي قوة تحويلية في مسار الاستدامة بالمملكة العربية السعودية. فمن خلال تحسين استخدام الطاقة والمياه، وتطوير إدارة النفايات، وتعزيز المراقبة البيئية، يُعد الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية للابتكار المستدام. وقد التزمت المملكة بتأهيل 30,000 مختص في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات بحلول عام 2030، بما يضمن وجود كوادر قادرة على دعم مبادرات الاستدامة القائمة على الذكاء الاصطناعي (7). ومع الاستثمارات الاستراتيجية في هذا المجال، تمضي المملكة بخطى واثقة نحو تحقيق أهدافها البيئية ضمن رؤية 2030، مع تعزيز النمو الاقتصادي طويل الأجل.

